عادت ملفات الحدود البحرية لتتصدر المشهد الدبلوماسي بين العراق والكويت، مثيرةً عاصفة من الجدل القانوني والسياسي بعد خطوة عراقية “سيادية” في الأمم المتحدة، قوبلت باحتجاج كويتي رسمي. هذه التطورات تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل العلاقات الثنائية ومدى قدرة التفاهمات التاريخية على الصمود أمام “حرب الإحداثيات”.
بداية القصة: إيداع أممي واحتجاج كويتي
فجّرت المذكرة التي أودعها العراق لدى الأمم المتحدة في يناير وفبراير 2026 خلافاً جديداً؛ حيث تضمنت خرائط وإحداثيات محدثة لخطوط الأساس والمناطق البحرية (البحر الإقليمي، المنطقة المتاخمة، والمنطقة الاقتصادية الخالصة). الكويت سارعت لتسليم القائم بالأعمال العراقي مذكرة احتجاج رسمية، معتبرة أن هذه الخرائط تمس سيادتها على مناطق وممرات مائية مثل “فشت القيد” و”فشت العيج”، والتي تؤكد الكويت أنها مناطق “ثابتة ومستقرة” سيادياً.
المنطق العراقي: “السيادة والوضوح القانوني”
في المقابل، تتمسك بغداد بأن تحديد المجالات البحرية هو “شأن سيادي” بامتياز. وتستند وزارة الخارجية العراقية في دفاعها إلى:
-
اتفاقية قانون البحار (1982): التأكيد على أن الإحداثيات الجديدة تتماشى مع المعايير الدولية الحديثة.
-
تحديث البيانات: الإيداع الجديد لعام 2026 يحل محل إيداعات سابقة (2011 و2021) لتعزيز الوضوح القانوني وتوسيع اختصاصات الدولة الساحلية بما يخدم مصالح العراق.
الجذور التاريخية وعقدة “خور عبد الله”
لا يمكن فصل هذا التوتر عن الإرث الثقيل لعام 1990 وقرار مجلس الأمن رقم 833. تكمن العقدة في “ما بعد العلامة 162″؛ فبينما ترى الكويت أن الترسيم الأممي شامل، يرى العراق أن هناك مناطق بحرية عميقة لم يتم حسمها. وزاد من تعقيد المشهد حكم المحكمة الاتحادية العراقية في 2023 بعدم دستورية اتفاقية “خور عبد الله”، مما خلق فراغاً قانونياً تحاول بغداد سده عبر “إيداع الإحداثيات” المنفرد.
الخلاف الفني: “خط المنتصف” أم “أعمق نقطة”؟
بعيداً عن السياسة، يبرز خلاف فني جوهري:
-
الموقف الكويتي: يصر على اعتماد “خط المنتصف”.
-
الموقف العراقي: يطالب بالترسيم بناءً على “أعمق نقطة” (المجرى الملاحي)، نظراً لظاهرة تراكم الطمي التي تهدد الموانئ العراقية وتضيق منافذها البحرية.
السيناريوهات القادمة: هل ننتظر “تحكيماً دولياً”؟
يرى مراقبون أن استمرار تبادل مذكرات الاحتجاج يبني “ملفاً قانونياً” متكاملاً لكل طرف. وإذا لم تنجح الدبلوماسية المباشرة، فقد يتجه الملف نحو:
-
محكمة العدل الدولية: لفرض حدود إلزامية، وهو مسار قد يستغرق سنوات.
-
تصعيد دبلوماسي: قد يؤثر على مشاريع الربط السككي والتعاون الاقتصادي بين البلدين.
الخلاصة: إن أزمة الإحداثيات الحالية ليست مجرد خلاف على نقاط جغرافية، بل هي صراع على “النفوذ البحري” في منطقة ضيقة جغرافياً وحساسة سياسياً، مما يضع حكومة السوداني أمام اختبار موازنة المصالح الوطنية مع ضرورة الحفاظ على علاقات حسن الجوار.
