“فخ الجباية”.. هل نُضحي بالقطاع الخاص لملء الخزينة؟

رئيس التحرير

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم نحو تنويع مصادر الدخل ومغادرة “الدولة الريعية”، نجد أنفسنا في العراق أمام مفترق طرق خطير. لا أحد يختلف على ضرورة تعظيم الإيرادات غير النفطية، فهذا طوق نجاة لا مفر منه، لكن “الشيطان يكمن في التفاصيل”، أو بالأحرى في “آلية التنفيذ”.

تُشير القراءة المتأنية للمشهد المالي الأخير إلى أن الحكومة اختارت الطريق الأقصر، ولكنه الأخطر: “التوسع العمودي”. أي زيادة نسب الضرائب والرسوم على من يعمل فعلياً، بدلاً من “التوسع الأفقي” الذي يعني خلق مشاريع جديدة وزيادة رقعة الاستثمار. إن فرض رسوم جديدة أو رفع التعرفة الجمركية دون دراسة جدوى حقيقية هو أشبه بمن يحاول عصر ليمونة جافة؛ لن يحصل إلا على القشور، وقد يكسر العصارة نفسها.

إن التجارب الاقتصادية الناجحة علمتنا أن الدول لا تبني موازناتها على جيوب المنتجين والمواطنين المنهكة أصلاً. فالزيادات الضريبية غير المدروسة، كما رأينا مؤخراً في قطاعات حيوية كالاتصالات، لا تؤدي لرفد الموازنة بقدر ما تؤدي لـ “انكماش السوق”. عندما ترفع الكلفة على الشركات، فإن أول ضحية تكون “وظيفة المواطن”، حيث تلجأ الشركات لتقليص النفقات وتسريح العمالة، وبذلك نكون قد عالجنا عجزاً مالياً لنخلق أزمة اجتماعية ومعيشية أكبر تتمثل في البطالة.

كان الأجدر بصناع القرار التركيز على تهيئة “البيئة الاستثمارية”، وتبسيط الإجراءات لجذب رؤوس الأموال. فكل مشروع جديد يفتح أبوابه هو “وعاء ضريبي” جديد يرفد الخزينة بصورة مستدامة وصحية. إن زيادة الناتج المحلي الحقيقي هي الحصان الذي يجب أن نراهن عليه، وليس زيادة الجباية العمياء التي قد تطلق رصاصة الرحمة على ما تبقى من نشاط في القطاع الخاص.

الدعوة اليوم مفتوحة ومباشرة لإعادة النظر في سياسة “الجباية قبل الرعاية”. علينا أن نُنعش السوق أولاً، ونحارب التهرب الضريبي بذكاء، ونوسع قاعدة الأعمال، قبل أن نفكر في مد اليد إلى جيوب أنهكها التضخم وغياب الاستقرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *