في تطور لافت يُعيد رسم الخارطة السياسية والميدانية في البلاد، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع عن إبرام اتفاق استراتيجي شامل مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قصد)، ينهي سنوات من الانقسام العسكري والإداري في المنطقة الشرقية.
وينص الاتفاق، الذي يأتي في سياق ترتيبات أمنية بالغة الحساسية، على الوقف الفوري والشامل لإطلاق النار، وتسليم محافظتي دير الزور والرقة، بما في ذلك حقول النفط والغاز، إلى سلطة الحكومة السورية المركزية. كما يتضمن الاتفاق آلية لدمج مقاتلي “قسد” ضمن المؤسسات العسكرية والأمنية للدولة، وتولي دمشق مسؤولية ملف سجناء تنظيم “داعش” وعائلاتهم، شريطة إخراج كافة العناصر والقيادات الأجنبية المرتبطة بـ”حزب العمال الكردستاني” من الأراضي السورية.
وتزامناً مع الإعلان الرئاسي، أصدرت وزارة الدفاع السورية بياناً أكدت فيه الالتزام الكامل بوقف العمليات القتالية، والبدء بفتح ممرات آمنة لعودة الأهالي، والمباشرة في إعادة تفعيل مؤسسات الدولة الخدمية والإدارية في المناطق المستعادة.
تحول تاريخي وحقوق مشروعة وفي قراءة للأبعاد الاستراتيجية لهذا الاتفاق، وصف الخبير السياسي عبد الجبار العكيدي الاتفاق، وما تبعه من مرسوم رئاسي (رقم 13)، بأنه “لحظة مفصلية” في تاريخ الاعتراف بحقوق المكون الكردي في سوريا.
وأوضح العكيدي في تصريحات لـ”سكاي نيوز عربية”، أن الاتفاق يُقرّ بحقوق سياسية ولغوية وثقافية للكرد لم تكن معترفاً بها سابقاً، مشدداً على أن “هذه المكتسبات ليست منّة، بل هي حقوق أصيلة تم تكريسها رسمياً من قبل رأس الدولة”. ودعا العكيدي إلى طي صفحة الماضي ونبذ خطاب الكراهية، داعياً لمشروع وطني جامع يقوم على الشراكة الحقيقية بين العرب والكرد وكافة مكونات الشعب السوري.
الاندماج العسكري: معايير الدولة لا المحاصصة وحول الآلية العسكرية للاتفاق، اعتبر العكيدي أن تفكيك هيكلية “قسد” ودمج عناصرها في الجيش السوري هو “المسار الطبيعي والمنطقي”، محذراً في الوقت نفسه من خطورة الإبقاء على كتل عسكرية ذات صبغة قومية أو طائفية.
وقال العكيدي: “إن الدولة السورية ترفض وجود تكتلات عسكرية داخل الجيش، سواء كانت كردية، مسيحية، أو غيرها. الاندماج يجب أن يتم على أساس فردي ومهني بحت”، مشيراً إلى أن وحدة البنية العسكرية هي الشرط الأساس لبناء دولة مستقرة، وأن أي صيغة أخرى تُعد “إخلالاً بالمعايير التنظيمية للمؤسسات الوطنية”.
إنهاء الملفات الشائكة وفيما يتعلق بملف المقاتلين الأجانب، أشار الخبير الاستراتيجي إلى أن الحل يكمن في تفكيك الكتل المستقلة ودمج العناصر (المقبولة قانونياً) ضمن فرق وألوية الجيش، وهو ما حدث سابقاً مع فصائل في الشمال السوري.
وكشف العكيدي عن وجود “بوادر حسن نية” حكومية، تشمل منح رتب عسكرية وامتيازات لقادة من “قسد” وتعيينهم في مناصب عليا، لتسهيل عملية الدمج، شريطة الالتزام بالتراتبية العسكرية وإلغاء “الدورات العقائدية” السابقة، والاستعاضة عنها بالتدريب الأكاديمي العسكري النظامي في كليات الدولة.
فك الارتباط بـ “العمال الكردستاني” واختتم العكيدي تحليله بالتأكيد على أن نجاح هذا الاتفاق مرهون بشرط جوهري، وهو خروج القيادات الكردية السورية من عباءة “حزب العمال الكردستاني”، وتوفر الإرادة السياسية لبناء مؤسسة عسكرية وطنية جامعة، منوهاً إلى أن الوجود الكردي في الجيش السوري “راسخ وقديم”، حيث يشغل آلاف الضباط الكرد مواقع قيادية وشاركوا بفعالية في المعارك على امتداد الجغرافيا السورية.
