في الوقت الذي كانت فيه جدران “غرفة العمليات” بالبيت الأبيض تضجّ بنقاشات امتدت لساعتين دون جدوى، كان الهدوء الإستراتيجي يخيم على طهران. اجتماع الرئيس دونالد ترامب بمساعديه لم يكن سوى انعكاس لحالة الارتياب الدبلوماسي التي تعيشها واشنطن أمام صلابة الموقف الإيراني، حيث يجد سيد البيت الأبيض نفسه مجبراً على موازنة اندفاعه المعهود بصخرة الشروط الإيرانية التي لا تلين.
معادلة النفوذ: الصواريخ فرضت المسار والمطالب “المفرطة” تتبدد
بينما يحاول ترامب عبر منصته “تروث سوشال” صياغة شروط تبدو في ظاهرها حاسمة حول السلاح النووي والملاحة في مضيق هرمز، جاء الرد الإيراني ليثبت أن النفوذ على الأرض لا يُصنع بالتغريدات والمناورات الكلامية، بل بـ “هندسة الصبر والتحمل” التي مارستها الجمهورية الإسلامية طوال الأشهر الماضية من النزاع.
“ودّعنا لغة +يجب+ قبل 47 عاماً..”
— إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية.
لم يكن هذا التصريح مجرد رد دبلوماسي، بل هو تجسيد لواقع جديد أكده رئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، الذي قاد مفاوضات باكستان بكبرياء المنتصر، مشيراً بوضوح إلى أن طهران لم تكسب نفوذها من طاولات الحوار، بل من كفاءة وتأثير الصواريخ التي دافعت بها عن سيادتها منذ اندلاع المواجهة في 28 شباط/فبراير.
الـ 12 مليار أولاً: مفاوضات على إيقاع الشروط الإيرانية
بين “الحقيقة والكذب” التي شخّصتها مصادر إيرانية مطلعة في تصريحات ترامب، فرضت طهران خطوطها الحمر بكل ثقة وتماسك:
-
حقوق لا تنازل عنها: ربط أي خطوة تفاوضية لاحقة بـ الإفراج الفوري وغير المشروط عن 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة.
-
السيادة على الملاحة: نفي قاطع لأي بند يسلب إيران حقها التاريخي والسيادي في إدارة مضيق هرمز أو فرض الرسوم الإستراتيجية.
-
ثبات الملف النووي: تأكيد قاطع من الخارجية الإيرانية بأن الملف النووي خارج خطوط هذه المفاوضات التي تركز حصراً على إنهاء العدوان والحصار.
هرمز يتنفس برئة إيرانية والأسواق تترقب
بينما كان نائب الرئيس الأمريكي، جاي دي فانس، يحاول بث جرعات من التفاؤل الحذر حول “مسودات الاتفاق” لتهدئة الأسواق الآسيوية المضطربة وتخفيض أسعار النفط، كانت لغة الأرقام على الأرض تتحدث بالفارسية؛ حيث أكد التلفزيون الرسمي الإيراني عبور 24 سفينة عبر مضيق هرمز خلال 24 ساعة فقط، ليس بإذن أمريكي، بل بتنسيق كامل ومباشر مع الحرس الثوري الإيراني ووزارة الخارجية.
هذا العبور الآمن هو الدليل الأبرز على أن الحصار البحري الأمريكي للموانئ الإيرانية قد تآكل أمام إصرار طهران وقدرتها على إدارة الممر المائي الأهم في العالم.
الدبلوماسية النشطة: حلفاء ووسطاء في فلك طهران
الحراك الدبلوماسي الأخير، من دخول الدوحة على خط الوساطة عبر الاتصالات المكثفة مع أمير قطر، والتنسيق المستمر مع مسقط من خلال اتصال وزير الخارجية عباس عراقجي بنظيره العماني، يعكس حقيقة واضحة: العالم يهرع الآن لإيجاد صيغة قائمة على “الاحترام المتبادل” لإنهاء الحرب، وهو الإطار الذي أكد عليه الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان.
الخلاصة: انتصار النفس الطويل
تثبت هذه الجولة من الصراع الشامل أن السياسة الإيرانية القائمة على الصبر الإستراتيجي، والتحمل الاقتصادي، والردع العسكري الحاسم، قد نجحت في تحويل الضغوط القصوى لترامب إلى مأزق أمريكي يبحث عن مخرج.
إن التفاهمات القادمة، مهما اختلفت تفاصيلها اللغوية في أروقة واشنطن، لن تُكتب إلا بحبر الاعتراف بالقوة الإيرانية كرقيم صعب لا يمكن تجاوزه في معادلة الشرق الأوسط والعالم.
