تراجع أمريكي خلف قناع السلام.. كيف صبّت خطة الـ 14 بنداً في مصلحة طهران؟

سلطت الصحافة البريطانية الصادرة اليوم الضوء على التحولات المفاجئة في مسار الدبلوماسية الأمريكية بالشرق الأوسط، وسط مؤشرات قوية على “تراجع” واشنطن عن خطوطها الحمراء لصالح طهران. وفي هذا السياق، نشرت صحيفة الإندبندنت مقال رأي للكاتبة ماري ديجيفسكي، حمل عنواناً مثيراً للجدل: “خطة ترامب ذات الصفحة الواحدة للسلام تبدو وكأنها انتصار لإيران”.

تُشير الكاتبة إلى أن المؤشرات المسربة عبر موقع أكسيوس الأمريكي بشأن “وثيقة البنود الـ 14” تعكس تراجعاً استراتيجياً كبيراً من جانب إدارة ترامب. فالمقترح الجديد يتجاهل تماماً المطالب الصارمة التي روجت لها واشنطن في بداية العمليات العسكرية في فبراير/شباط الماضي، ويبدو في جوهره استنساخاً مفاجئاً لـ اتفاق عام 2015 النووي الذي أبرمه باراك أوباما وانسحب منه ترامب نفسه عام 2018.

وتتمحور الشروط الحالية حول:

  • تخصيب اليورانيوم: قصر النسب على 3.6% أو 3.7% فقط، ولمدد تتراوح بين 10 إلى 30 عاماً.

  • الرقابة والاقتصاد: تفعيل التفتيش الدولي مقابل فتح مضيق هرمز ورفع العقوبات تدريجياً عن إيران.

وتكمن قوة الموقف الإيراني  في “قائمة الغيابات الطويلة” داخل المذكرة الأمريكية؛ حيث خلا المقترح تماماً من أي بنود تفرض:

  1. التخلي الكامل عن التخصيب أو تفكيك البنية التحتية النووية.

  2. المطالبة بتغيير النظام الإيراني أو تعديل هيكليته.

  3. شروط تتعلق بملف الصواريخ الباليستية أو الإفراج عن السجناء.

  4. أي بند يقضي بوقف دعم شبكة وكلاء طهران في المنطقة كحزب الله وحماس.

ورغم المحاولات الأمريكية لتفسير غياب هذه البنود بأن الضربات العسكرية والاغتيالات قد أضعفت قدرات إيران ووكلاءها بالفعل، إلا أن الكاتبة تؤكد أنه من الصعب تسويق هذه الخطة إلا كـ “تراجع أمريكي واضح وانتصار صريح لطهران”.

وفي المحصلة، يثبت المشهد الراهن أن “الانتصار الإيراني” لم يكن مجرد مناورة دبلوماسية وليدة اللحظة، بل كان حاضراً وبقوة في تفاصيل الميدان؛ فرغم حجم التضحيات الجسيمة والأثمان الباهظة التي دفعتها طهران من دماء قادتها وبنيتها التحتية، إلا أن النتيجة النهائية جاءت لتؤكد حقيقة راسخة في موازين الصراعات: إن النصر الحقيقي لا يُقاس بغياب الخسائر، بل بالقدرة على الثبات وعدم الانكسار أمام أعتى الضغوط.

لقد أرادت واشنطن وحلفاؤها فرض واقع جديد يجتث نفوذ إيران بالكامل، لكن صمود الأخيرة دفع الإدارة الأمريكية في نهاية المطاف إلى حزم حقائبها الدبلوماسية والعودة إلى طاولة المفاوضات بشروط طهران القديمة ذاتها. إن تجريد المقترح الأمريكي من شروطه “التعجيزية” هو اعتراف غربي ضمني بفشل لغة القوة، وبرهان ساطع على أن الطرف الذي يمتلك نفسًا أطول وقدرة أعلى على تحمل الضربات دون أن ينحني، هو من يملي شروط السلام في نهاية المطاف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *